قليلة هي دور المجوهرات التي يمكن التعرف عليها من النظرة الأولى مثل Van Cleef & Arpels: ورقة برسيم رباعية، وترصيع بلا مخالب تثبيت ظاهرة، وعنوان في ساحة فاندوم لم يتغير منذ 1906. وامتد حضور هذه اللغة البصرية، التي وُلدت في باريس، إلى خارج واجهات الدار ودوائر زبنائها في المغرب، حتى وصلت إلى مناضد الصاغة في ورشات فاس ومراكش، حيث يُعاد رسمها بأدوات أخرى وبتقاليد أخرى.
إرث دار أسطورية: من ساحة فاندوم إلى العالم
يحمل اقتناء قطعة بتوقيع Van Cleef & Arpels حكاية تبدأ بقصة حب. ففي يونيو 1895، تزوّج ألفريد فان كليف، ابن حرفي مختص في صقل الأحجار، من إستيل آربلز، ابنة تاجر أحجار كريمة. وفي فبراير 1906، دخل في شراكة مع صهره سالومون، المعروف باسم شارل، آربلز لفتح محل في الرقم 22 بساحة فاندوم؛ ثم التحق بالمشروع لاحقًا جوليان ثم لوي آربلز.
قصة حب وأحجار كريمة
يرتبط مصير الدار ارتباطًا وثيقًا بالشغف. فمنذ بداياتها، جمع الشركاء مواهبهم لتحويل أندر الأحجار إلى أعمال فنية: خبرة في اختيار الحجر من جهة، وخبرة في صقله وتركيبه من جهة أخرى. وقد استقطب هذا السعي نحو الاستثنائي، في وقت قصير، رؤوسًا متوَّجة وأيقونات أناقة من مختلف أنحاء العالم، لتترسّخ الدار بشكل دائم في مفردات المجوهرات الفرنسية، وليصير عنوانها في ساحة فاندوم مرجعًا يُقاس عليه.
ابتكار الاستثنائي: الترصيع الغامض
الابتكار التقني هو ما رسّخ سمعة الدار. ففي 2 دجنبر 1933، حصلت على البراءة الفرنسية رقم 764 966 عن «الترصيع الغامض»، وهي تقنية تسمح بتثبيت الأحجار، الياقوت الأحمر والياقوت الأزرق والزمرد، دون أن يظهر أي مشبك معدني يقطع سطح اللون.
وهكذا تصير كل قطعة سطحًا من لون خالص نابض، لا يقطعه معدن ولا تشوّشه ظلال المشابك، وهو إنجاز تتيحه مهارة «الأيادي الذهبية»، أولئك الحرفيين الذين تقول الدار إن معرفتهم تُنقَل داخليًا، من ورشة إلى أخرى، ومن جيل من الصنّاع إلى الجيل الذي يليه. وهذا المزيج من البراعة التقنية والإلهام المستمد من الطبيعة هو ما يمنح قطع الدار طابعها الخاص.
ما الذي يميّز إبداعات الدار
صُممت قطع الدار لتواكب الحركة وتلتقط الضوء، وهو خيار يظهر في معظم مجموعاتها، من القطع الكبرى إلى أصغر القلائد.
أيقونة Alhambra: البرسيم ذو الأوراق الأربع
ظهر أول عقد طويل من Alhambra عام 1968: عشرون وحدة من البرسيم في الذهب الأصفر، كل واحدة محاطة بحبيبات ذهبية. أما الاسم فيحيل إلى قصر الحمراء بغرناطة، غير أن الرسم نفسه يأتي من مكان آخر: فالبرسيم الرباعي يرد في أرشيف الدار منذ 1906، وكان جاك آربلز قد اعتاد إهداءه لموظفي الدار بوصفه جالبًا للحظ. وسواء جاءت الوحدة من عرق اللؤلؤ الأبيض للنعومة، أو من العقيق الأسود للقوة، أو من المالاكيت للجرأة، فإن تقديم عقد أو سوار Alhambra لفتة محمّلة بالمعنى، وكأنك تتمنى حظًا سعيدًا بأناقة غير متكلفة.
شاعرية الزمن: ساعات ليست كغيرها
بالنسبة إلى Van Cleef & Arpels، فإن الإخبار بالوقت أمر ثانوي؛ الأساس هو رواية إحساس. فساعاتها، وخاصة ما يُعرف بـ«التعقيدات الشعرية»، لوحات ميكانيكية حقيقية. تخيّل أن تهدي ساعة «جسر العشاق»، حيث يلتقي ظلّان يحملهما عرض ارتدادي مزدوج عند الظهيرة وعند منتصف الليل في قبلة تدوم ثلاث دقائق (نموذج قُدِّم عام 2010)، أو ساعة «ليدي آربلز» حيث تتحرك دورات الطبيعة على المينا. هذه القطع مصمَّمة لتُشاهَد بقدر ما تُقرأ، وهو ما يفسّر حضورها في المجموعات أكثر من الاستعمال اليومي.
قراءة القطعة: المعادن والأحجار والمجموعات
يتطلب اقتناء قطعة بهذا المستوى اختيارًا دقيقًا حتى تنسجم مع ذوق من ستُهدى إليها ومجوهراتها المعتادة.
تحديد الأسلوب: بين الرصانة والفخامة
اختيار المعدن والحجر عنصر حاسم:
- الذهب الوردي والعقيق الأحمر: لشخصية دافئة ومشرقة.
- الذهب الأبيض وعرق اللؤلؤ: لأناقة هادئة تناسب الاستعمال اليومي.
- الذهب الأصفر والعقيق الأسود: لتباين بصري قوي وشخصية واضحة.
وتبقى ملاحظة المجوهرات التي تُرتدى عادةً أفضل مرجع لاختيار انسجام يكمّل مجموعة قائمة بدل أن ينافسها.
لكل مناسبة قطعتها
في الاستعمالات الملاحَظة، تتكرر قطع بعينها أكثر من غيرها: قلادة Sweet Alhambra عند ولادة، وخاتم Perlée أو سوار جامد مرصّع بالألماس في ذكرى زواج، وساعة Cadenas، المرسومة عام 1935، بوصفها رمزًا للمكانة أكثر منها أداة لمعرفة الوقت.
Van Cleef & Arpels من منظور مغربي
تجد الدار صدى طبيعيًا في المغرب بفضل المكانة التي تحظى بها الحرفة الفنية والرموز ذات المعنى.
انسجام ثقافي مع التميّز
في المغرب، الحلي ليست مجرد إكسسوار؛ إنها لغة تُقرأ فيها المناسبة والمكانة والانتماء. ويبقى الذهب الأصفر المشغول بدقة الأكثر طلبًا هنا، في امتداد للحلي التقليدية التي يستعيد رهافتها ونسبها الزخرفية. كما أن وحدة Alhambra تجد صدى خاصًا في هذا السياق، إذ تتردد فيها رموز الحماية والحظ الراسخة في الثقافة المحلية منذ زمن بعيد.
فنّ الإهداء في الثقافة المغربية
في إطار العرس أو الاحتفالات العائلية الكبرى، صارت قطعة Van Cleef عنصرًا محوريًا في «جهاز العروس» بصيغته الحديثة، إلى جانب القطع التقليدية التي لم تفقد مكانتها. فتقديم طقم من الدار في مناسبة مغربية يجمع بين تقليد التوارث ولمسة عصرية عالمية. وهي قطعة قابلة للتوارث، تنتقل من الأم إلى الابنة مثل الحلي العائلية التي تُحفظ للمناسبات.
بصمة الأيقونة: حين يتبنّى الصنّاع المغاربة البرسيم
انتشر رسم Alhambra في الثقافة البصرية المغربية إلى ما هو أبعد بكثير من نقاط بيع الدار وزبنائها الأصليين، حتى بلغ ورشات فاس ومراكش، حيث لم يعد يُنسب إلى دار بعينها بقدر ما صار مفردة متداولة في المهنة.
إعادة تأويل لدى الصنّاع المحليين
الوردة الرباعية الفصوص ليست غريبة عن التراث الزخرفي المغربي والأندلسي، إذ تحضر فيه منذ قرون، على الجبس والزليج والخشب المنقوش قبل أن تصل إلى المعدن، وقصر الحمراء بغرناطة، الذي تدين له المجموعة باسمها، شاهد واضح على هذا الشكل وتنويعاته. أما نجاح الدار فمنح الرسم انتشارًا أوسع من دون أن يكون أصل وجوده: إذ يعيد المعلّمون اليوم اشتغاله في حلي من الذهب عيار 18، مشغولة بخيط الحرير أو منقوشة يدويًا، في صيغة تدين للمجوهرات الباريسية بقدر ما تدين لتقاليدهم الخاصة.
البرسيم بين الموضة والتقاليد
تشهد إعادة التأويل المغربية للرسم على نجاحه؛ فقد أصبح البرسيم عنصرًا لا غنى عنه في الأعراس والمناسبات وحفلات الخطوبة، يُرتدى مع فستان سهرة كما يُرتدى مع قفطان فاخر، ومع الملابس اليومية دون أن يبدو في غير مكانه. وبالنسبة إلى الجمهور المغربي، لم يعد هذا التصميم توقيعًا فرنسيًا فحسب؛ إنه رمز حماية وأناقة اندمج تمامًا في مفردات الحلي المغاربية. وهكذا صار الشكل الرباعي الفصوص، مع مرور الوقت، شكلًا كلاسيكيًا من كلاسيكيات الذوق المغربي المعاصر، دون أن يعرف الجميع دائمًا من أين جاء.
أكثر من حلية: شذرة من الخلود
تبقى قطعة Van Cleef & Arpels عالقة في الذاكرة لارتباطها بتاريخ أو زخرفة أو بعنوان باريسي لم يتغير منذ 1906.
وفي المغرب، فإن ما يلفت الانتباه هو مسار البرسيم بالخصوص: انطلق من واجهة في ساحة فاندوم، ليجد نفسه اليوم على طاولة معلّم في فاس، لم ينتظر سنة 1968 ليعرف الوردة ذات الفصوص الأربعة. ولعل هذا أفضل تعريف لرسم ناجح: أن ينتهي بك الأمر إلى ألا تعرف لمن يعود.
اقرأ أيضًا: سبائك الذهب وخلائطه والسرتلة المغربية.
