بينما تواصل الحرب في الشرق الأوسط الضغط على توازن الأسواق الدولية، يثير المسار الأخير لسعر الذهب حيرة المتتبعين. فالمعدن الذي جرت العادة على وصفه بالملاذ الآمن في أوقات التوتر سجّل هذه المرة تراجعًا واضحًا، على عكس ما كان ينتظره عدد كبير من المراقبين، وعلى عكس ما توحي به القراءة السريعة التي تربط آليًا بين اشتعال نزاع وارتفاع الأونصة.

هذا الاتجاه غير المتوقع يفتح باب التساؤل حول سلوك سوق الذهب في اللحظة الراهنة، داخل سياق عالمي يتسم بقدر كبير من الغموض وعدم اليقين، وتتداخل فيه حسابات الطاقة وحسابات العملة وحسابات البنوك المركزية.

وفي المغرب، حيث ترتبط الأسعار المحلية ارتباطًا وثيقًا بالتقلبات الدولية، لم تمرّ هذه الوضعية دون أن تُلاحَظ، لا في واجهات المحلات ولا في حسابات الأسر التي كانت تُعِدّ لموسم الأعراس.

انخفاض مفاجئ في سعر الذهب أثناء الحرب

تاريخيًا، الذهب هو الأصل الذي تتجه إليه الأسواق كلما اضطرب العالم، وهي قناعة رسّختها أزمات متعاقبة على امتداد القرن الماضي. غير أن الصراع الدائر اليوم في الشرق الأوسط يرسم سيناريو غير مسبوق أربك المتتبعين وخالف النمط المعتاد، إذ جاء رد فعل السوق معاكسًا لما تراكم في الأذهان عبر عقود من الأزمات، وهو ما يستدعي العودة إلى تفاصيل ما جرى بدل الاكتفاء بالقاعدة العامة.

الذهب: حصن تقليدي في مواجهة الأزمات العالمية

على مدى عقود، جرى وصف المعدن الأصفر بـ«الملاذ الآمن». ففي فترات الاضطراب الجيوسياسي، أو الحروب، أو عدم الاستقرار النقدي، يتخلى المستثمرون عن الأصول عالية المخاطر، كالأسهم، ويتجهون نحو الذهب، باعتباره أصلًا لا يرتبط بملاءة دولة بعينها ولا بنتائج شركة بعينها. وقد رُصدت هذه العلاقة مرارًا في العقود الأخيرة: كلما ارتفع منسوب عدم اليقين، مال سعر الأونصة إلى الصعود. لكنها ليست قاعدة ثابتة تنطبق في كل مرة، وهذا بالضبط ما يبيّنه ما يجري اليوم.

المفارقة الحالية: تصحيح حادّ رغم عدم الاستقرار

على عكس كل التوقعات، لم يؤدِّ اندلاع التوترات في الشرق الأوسط وتصاعدها إلى النتيجة المنتظرة. فبدل أن تقفز أسعار الذهب والفضة، بدأت في الانخفاض بشكل واضح، ماحيةً جزءًا كبيرًا من المكاسب التي تراكمت خلال الأشهر الماضية. وتطرح هذه المفارقة سؤالًا جوهريًا: لماذا يُتخلّى عن الأصل الذي يُفترض أن يحمي المحافظ المالية في زمن الحرب، لصالح السيولة النقدية؟ هذا الانفصال بين الحدث ورد فعل السوق يوضّح أن القواعد المعتادة للتداول تتعرض للاضطراب تحت وطأة الحاجة الملحّة إلى النقد الفوري، وأن ترتيب الأولويات في لحظة الأزمة ليس هو الترتيب الذي تفترضه القاعدة النظرية.

قراءة في تراجع يعقب مستويات قياسية

ينبغي أيضًا قراءة هذا الانخفاض على أنه استراحة تقنية بعد فترة من الحماس الشديد. ففي نهاية يناير 2026، اقترب سعر الذهب من 5600 دولار للأونصة، وهو رقم قياسي مطلق. وفي أواخر مارس 2026، صار السعر يدور حول 4550 دولارًا. ويُفسَّر هذا التراجع في جزء منه بعمليات جني الأرباح: فبعد بلوغ تلك القمم، استغل عدد من الفاعلين الأزمة لإعادة بيع مراكزهم بأسعار مرتفعة، بحثًا عن الدولار الذي صار ضروريًا لمواجهة ارتفاع فاتورة الطاقة. وبهذا المعنى، فإن جزءًا من الهبوط لا يقاس بمنطق الخوف، بل بمنطق من راكم مكاسب ويريد تثبيتها قبل أن تتبدد.

الحرب في الشرق الأوسط تربك الأسواق العالمية

الصراع الذي يهزّ المنطقة اليوم لا يبقى حبيس الحدود الجغرافية التي اندلع داخلها. إنه يشبه زلزالًا تمتد موجاته الارتدادية لتزعزع مجمل الآليات المالية في الكوكب، من أسواق الطاقة إلى أسواق السندات، مرورًا بسلاسل النقل البحري.

الصدمة الأولى: أسعار الطاقة والنفط

هذا هو أول حجر دومينو يسقط. فمع الاضطرابات التي يعرفها مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20٪ من الاستهلاك العالمي من النفط الخام، دخلت أسواق الطاقة حالة تأهب قصوى. وفي مارس 2026، تجاوز برميل برنت عتبة 100 دولار الرمزية، بل إن بعض المحللين يخشون ارتفاعًا نحو 130 دولارًا إذا استمر الانسداد. وهذه القفزة ليست مجرد أرقام على الشاشات: فهي ترفع فورًا تكاليف الإنتاج والنقل على المستوى العالمي، وتغذّي دورة تضخمية جديدة تصل آثارها إلى كل اقتصاد مستورد للطاقة.

تقلب متزايد في الأسواق المالية الدولية

عدم اليقين هو ألدّ أعداء البورصات. فمن نيويورك إلى باريس مرورًا بطوكيو، تتأرجح المؤشرات بعنف مع كل إعلان عسكري أو محاولة وساطة، وتتغيّر وجهة السوق داخل الجلسة الواحدة أكثر من مرة. وهذا التقلب الحادّ يدفع مديري الصناديق إلى حذر جذري. ولحماية محافظهم، يختار كثير منهم تصفية أكثر أصولهم قابلية للتسييل، والذهب من بينها، حتى يتوفروا على احتياطي نقدي كافٍ لمواجهة هذه العاصفة المالية.

ترابط الاقتصادات في مواجهة الاشتعال الإقليمي

تكشف الأزمة الحالية عن هشاشة اقتصادات مترابطة إلى هذا الحد. فصدمة في الشرق الأوسط تُترجَم إلى ارتفاع في أسعار الوقود بأوروبا، وتباطؤ صناعي في آسيا، وضغط على الميزانيات الوطنية في مناطق أخرى من العالم، بما فيها البلدان التي لا علاقة لها بالنزاع لا من قريب ولا من بعيد. هذا الترابط يخلق أثر عدوى، ويجعل الخوف من «الركود التضخمي»، أي نمو ضعيف مصحوب بتضخم مرتفع، احتمالًا واقعيًا. وفي مثل هذا السياق، يكفّ الذهب عن أن يُنظر إليه كمجرد ملاذ، ليتحول إلى أصل قابل للبيع من أجل توفير السيولة الفورية.

لماذا يتخلى المستثمرون عن ذهبهم؟

إذا كان الذهب يتراجع في وقت يزداد فيه قلق العالم، فليس ذلك بسبب فتور الاهتمام به، بل بحكم الضرورة. فالذهب هو ما يستطيع حاملوه بيعه بسرعة حين يكون باقي النظام تحت الضغط، ولهذا السبب بالذات ينخفض هنا. إن ما يُحسب له في الأوقات العادية، وهو سهولة تصريفه، هو نفسه ما ينقلب عليه في لحظة الذعر.

البحث عن السيولة: البيع لتعويض الخسائر

في فترات الصدمات المالية، يستعيد المثل البورصي القديم كل معناه: «عند الذعر، نبيع ما نستطيع بيعه، لا ما نريد بيعه». وبما أن الذهب من أكثر الأصول قابلية للتسييل في العالم، فهو أول ما يُضحّى به، لأنه يجد مشتريًا في أي ساعة وفي أي سوق. فالمستثمرون المؤسساتيون، الذين يواجهون طلبات تغطية الهامش في أسواق أخرى، كالأسهم والسندات، أو خسائر مرتبطة بعدم الاستقرار الإقليمي، يصفّون مراكزهم الذهبية للحصول فورًا على النقد. وهذا البيع المكثف يُنتج ضغطًا نزوليًا آليًا على الأسعار، بمعزل تمامًا عن رأي البائعين في مستقبل المعدن.

هيمنة الدولار على معاملات الطاقة

أعادت الحرب العملة الأمريكية إلى قلب رقعة الشطرنج. فالنفط والغاز يُتداولان بالدولار على نحو شبه حصري، وارتفاع أسعار الطاقة يخلق طلبًا هائلًا على هذه العملة. ولشراء الوقود أو تأمين عقود الطاقة في مضيق هرمز المتوتر، تحتاج الدول والشركات إلى الدولار، لا إلى السبائك: فالسبيكة لا تدفع ثمن شحنة ولا تغطي عقدًا آجلًا. وهذا السباق نحو «الورقة الخضراء» يقوّي العملة الأمريكية، ويؤدي، بفعل العلاقة العكسية المعتادة، إلى انخفاض سعر الذهب المقوَّم بالعملة نفسها.

تصفية استراتيجية للاحتياطات من طرف الدول

الظاهرة لا تخص متداولي وول ستريت وحدهم. ففي الشرق الأوسط، ترى بعض الدول مداخيلها الطاقية التقليدية مهددة بفعل الضربات على البنيات التحتية أو تعطّل الملاحة البحرية. ولدعم ميزانياتها الوطنية أو تثبيت عملاتها في زمن الحرب، قد تضطر هذه الأطراف إلى تعبئة جزء من احتياطاتها من الذهب. وإذا تأكد هذا التوجه، فسيضيف عرضًا إضافيًا إلى سوق عالمية يتعطّل فيها الطلب المادي مؤقتًا، ما يزيد الضغط على الأسعار.

دور أسعار الفائدة والسياق الاقتصادي الكلي

وراء ضجيج السلاح، فإن القرارات الهادئة للبنوك المركزية هي التي ترسم مسار المعادن الثمينة. والسياق الاقتصادي الكلي الحالي يخلق بيئة تبدو، بشكل مفارق، معاكسة للذهب، رغم تصاعد مؤشرات القلق الجيوسياسي.

خطر تشديد السياسات النقدية

التضخم هو الشبح الذي يطارد الاقتصادات العالمية، والحرب في الشرق الأوسط لا تزيد هذا الخطر إلا حدة، عبر انفجار أسعار الطاقة. ولمواجهة هذه الدوامة، يجد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي نفسيهما مضطرين إلى الإبقاء على أسعار الفائدة في مستوياتها المرتفعة، بل إلى رفعها. ويهدف هذا التشديد النقدي إلى تبريد الاقتصاد، لكن له أثرًا جانبيًا فوريًا: فهو يقوّي الدولار، ويجعل الذهب آليًا أكثر كلفة على المشترين الذين يستعملون عملات أخرى، ومن بينهم المستوردون في الأسواق الناشئة.

مفاضلة استثمارية: الذهب يفقد بريقه أمام عوائد السندات

في عالم المال، للذهب عيب أساسي: فهو لا يدرّ قسيمة ولا أرباحًا موزَّعة. إنه ما يُسمّى أصلًا غير منتج. وحين ترتفع أسعار الفائدة، تبدأ سندات الدولة، وخاصة سندات الخزينة الأمريكية، في تقديم عوائد حقيقية جذابة ومؤمَّنة. عندها يقوم المستثمرون بمفاضلة استثمارية: يتخلون عن الذهب الذي تكلّف حراسته وتخزينه ولا يدرّ شيئًا، ويتجهون إلى توظيفات تولّد فوائد منتظمة بعملة قوية. وكلما ارتفع العائد الحقيقي على السندات، ارتفعت كلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن.

شبح تباطؤ النمو العالمي

استمرار الصراع وغلاء الطاقة يشكلان تهديدًا جديًا للناتج الداخلي الخام العالمي. فإذا تراجع الاستهلاك وتباطأت الصناعات، فإن الطلب على المعادن الثمينة، وفي مقدمتها الفضة التي لا غنى عنها في التحول الطاقي، قد يفقد زخمه، لأن جزءًا كبيرًا من استعمالاتها صناعي لا ادّخاري. وهذا الخوف من ركود عالمي يثقل معنويات الأسواق. فبالنسبة لكثير من الفاعلين، لم تعد الأولوية هي ادّخار الأصول الآمنة على المدى الطويل، بل تأمين السيولة تحسبًا لتأكّد التباطؤ.

أي أثر على السوق المغربية؟

لا يعمل سوق الذهب في المغرب بمعزل عما يجري في الخارج. فباعتباره اقتصادًا منفتحًا، تصل المملكة هزّات الأسواق المالية الدولية مباشرة، بانعكاسات ملموسة على المهنيين والأفراد على حد سواء.

ارتباط مباشر بأسعار لندن ونيويورك

في المغرب، يُحتسب سعر غرام الذهب على أساس الأسعار العالمية. فحين تنزل الأونصة إلى 4550 دولارًا بعد أن اقتربت من 5600 دولار، يظهر الانعكاس بشكل شبه فوري في واجهات المحلات بالدار البيضاء وفاس ومراكش، ثم في الأسعار التي يعلنها الصاغة لزبنائهم. وفي أواخر مارس 2026، يتراوح سعر الذهب عيار 18، وهو الأكثر تداولًا في المغرب، بين 1080 و1100 درهم للغرام. ورغم أن هذا السعر متراجع مقارنة بقمم يناير، فإنه يبقى مرتفعًا تاريخيًا، وهو ما يخلق مناخًا من عدم اليقين لدى الفاعلين المحليين المضطرين إلى التعامل مع تقلب مستورَد من الخارج، لا سلطة لهم عليه.

ويتيح مؤشر 18K.ma اليومي لسعر الذهب الخام عيار 18 متابعة تطور السعر في صفحة مخصصة.

انعكاسات على قطاع المجوهرات والصناعة التقليدية

بالنسبة إلى الصاغة والحرفيين، يمثل هذا السياق تحديًا حقيقيًا. وخلافًا لما قد يُظن، فإن تقلب الأسعار لا يفيد التجار؛ بل يشلّ النشاط. فعند هذا المستوى من الأسعار، تتقلص هوامش الربح، وتتوقف ورشات كثيرة أو تشتغل بوتيرة بطيئة، ويصعب تسعير قطعة اليوم بثمن معدن اشتُري قبل أسابيع. أما الصناعة التقليدية، التي تتطلب استثمارًا ثقيلًا في المادة الأولية قبل البيع، فتتلقى بشكل مباشر أثر غياب الرؤية، وهو فارق يقول عدد من مهنيي القطاع إنهم لم يعودوا قادرين على استيعابه.

تغيّر سلوك الشراء لدى الأسر المغربية

يتكيّف سلوك المستهلكين المغاربة بشكل جذري مع هذا الوضع، وبسرعة أكبر مما تتكيف به الورشات نفسها. فالذهب، الذي كان يُشترى تقليديًا للأعراس أو كاحتياط للأمان، أصبح ترفًا يصعب الوصول إليه، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأطقم كاملة تُحسب بعشرات الغرامات. ويلاحَظ في هذا الباب اتجاهان رئيسيان:

  • بدائل أخف وأقل كلفة: تتجه أسر كثيرة إلى نماذج أخفّ وزنًا أو إلى معادن أقل كلفة، حفاظًا على الجانب الرمزي للمناسبة دون تحمّل العبء المالي الذي يفرضه سعر الغرام اليوم.
  • الذهب وسيلة لحفظ القيمة: في المقابل، يواصل جزء من الأسر القادرة اعتبار الذهب حماية لمدخراتها في مواجهة التضخم. وتُفضَّل في هذه الحالة النماذج التقليدية، ذهب أكثر وأحجار أقل، انطلاقًا من فكرة أنها أسهل في إعادة البيع.

سوق تحكمه عوامل متعددة

يذكّرنا السيناريو الحالي بأن الأسواق المالية العالمية لا تسير دائمًا في خط مستقيم. فإذا كان التاريخ قد عوّدنا على رؤية الذهب يحلّق كلما اندلع نزاع، فإن واقع 2026 يفرض قراءة أكثر تعقيدًا. فالحرب في الشرق الأوسط، بتأثيرها المباشر على أسعار الطاقة، أحدثت صدمة بلغت من القوة حدًّا جعلت معه الحاجة إلى السيولة الفورية وقوة الدولار تتقدمان على وظيفة الحماية المنسوبة إلى المعدن الأصفر.

في هذه الأزمة بالذات، استُخدم الذهب أساسًا أصلًا سائلًا لتعويض خسائر في أسواق أخرى أو لتوفير سيولة لشراء موارد الطاقة، أي عكس ما كان يوحي به الاختزال الشائع «توتر يساوي ارتفاعًا». وبين قرارات البنوك المركزية بشأن أسعار الفائدة والاضطرابات اللوجستية العالمية، تبقى السوق معلّقة بالتطورات الجيوسياسية المقبلة. وفي المغرب كما في غيره، يبقى التقلب، إلى حدود اليوم، هو اليقين الوحيد.

وللتعمق في سوق المعادن الثمينة بالمغرب وما يجري في الورشات والمحلات، يمكن الاستماع إلى بودكاست "Karat w Carat"، المتاح على يوتيوب وعلى سبوتيفاي.

وبالمناسبة، إذا كنت من المهتمين بهذا المجال، أو حرفيًا يشتغل فيه منذ سنوات، أو صائغًا، ولديك موضوع تودّ مشاركته أو تجربة تريد أن تُروى، فالميكروفون لك. لا تتردد في التواصل معنا!