لماذا يتغيّر سعر الذهب بانتظام؟
منذ آلاف السنين، يجسّد الذهب معاني الاستقرار والثراء، ويحتل مكانة مقدّسة في إرث العائلات المغربية. غير أنّ وراء البريق الثابت لقطعة حُليّ، يختبئ سوق بالغ التعقيد، تتحرّك فيه الأرقام بجنون وتتكيّف لحظة بلحظة على شاشات البورصات العالمية. فهذا المعدن النفيس لا يعرف السكون؛ إذ يتراقص سعره على إيقاع قوى غير مرئية، محوّلًا كل غرام إلى مقياس دقيق لصحة الاقتصاد العالمي. إنّ مراقبة تطوّر سعر الذهب هي غوص في قلب آليات التمويل الدولي، حيث تتقاطع الثقة مع عدم اليقين.
قانون العرض والطلب: المحرّك الأساسي
كما هو الحال مع أي مادة أولية، يتحدّد سعر الذهب أساسًا من خلال التوازن بين الكمية المتاحة في السوق وشهية المشترين. فإذا تجاوز الطلب حجم المعروض، ترتفع الأسعار تلقائيًا. أمّا في حال وجود فائض في العرض، فإنّ ذلك يؤدّي إلى استقرار الأسعار أو تراجعها.
الإنتاج المنجمي وإعادة التدوير
يرتكز العرض العالمي للذهب على دعامتين رئيسيتين. الأولى هي الاستخراج المنجمي، وهو مسار بطيء ومكلف ومحدود جغرافيًا. أمّا الثانية فهي الذهب المعاد تدويره، والذي يأتي أساسًا من الحُليّ القديمة التي يعيد الأفراد بيعها، أو من المكوّنات الإلكترونية. ويتميّز هذا المصدر بمرونة كبيرة؛ فعندما ترتفع الأسعار، يعمد العديد من مالكي الذهب إلى بيعه، مما يزيد المعروض في السوق ويساهم تلقائيًا في كبح ارتفاع الأسعار.
الطلب على المجوهرات والصناعة
يقوده الطلب بدوره إيقاعان ثقافيان وتكنولوجيان. إذ يمثّل قطاع المجوهرات أكثر من نصف الاستهلاك العالمي للذهب. وتؤدّي مناسبات كبرى، مثل مواسم الزواج في الهند أو المغرب، إلى ارتفاعات موسمية في الطلب تدعم الأسعار. وفي المقابل، تعتمد الصناعات الحديثة على الذهب بفضل خصائصه الفائقة في التوصيل الكهربائي، خصوصًا في صناعة الهواتف الذكية والمعدّات الطبية عالية الدقة، ما يجعله عنصرًا لا غنى عنه في الاقتصاد الحقيقي.
دور البنوك المركزية والتضخّم
إلى جانب استخدامه المادي، يُعدّ الذهب أداة مالية محورية. ويتأثّر سعره بشدّة بقرارات المؤسسات النقدية الكبرى وبسلامة العملات.
الذهب كدرع ضد التضخّم
يعبّر التضخّم عن تراجع القدرة الشرائية للعملة؛ أي أنّ المبلغ نفسه يشتري سلعًا أقل مع مرور الوقت. في هذا السياق، يلعب الذهب دور “الملاذ الآمن” بامتياز. فعلى عكس العملات الورقية التي يمكن طبعها بلا حدود، فإنّ كمية الذهب على الأرض محدودة. وعندما يرتفع التضخّم، يتخلّى المستثمرون عن العملات الورقية ويتّجهون إلى شراء الذهب، ما يدفع سعره للارتفاع. إنها وسيلة لتجميد قيمة الثروة وحمايتها من التآكل عبر الزمن.
المشتريات الضخمة للمؤسسات المالية
تحتفظ البنوك المركزية، مثل بنك المغرب أو الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أو البنك المركزي الأوروبي، باحتياطيات ضخمة من الذهب. ولا يعود ذلك إلى التقليد فحسب، بل إلى تنويع الاحتياطيات وضمان السيادة المالية. وعندما تقرّر إحدى هذه المؤسسات زيادة مخزونها، غالبًا لتقليل اعتمادها على الدولار، فإنّها تشتري أطنانًا من الذهب من السوق العالمية، ما يولّد ضغطًا تصاعديًا على الأسعار. وعلى العكس، قد يؤدّي بيع جزء من الاحتياطي إلى انخفاض مؤقّت في الأسعار.
تأثير الدولار وأسعار الفائدة على سعر الذهب
يرتبط سعر أونصة الذهب ارتباطًا وثيقًا بصحة الاقتصاد الأمريكي. ولِفهم سبب تغيّر سعر الذهب باستمرار، يجب متابعة مؤشّرين ماليين أساسيين: الدولار الأمريكي وقرارات الاحتياطي الفيدرالي.
العلاقة العكسية بين الدولار والذهب
يتم تسعير الذهب بالدولار الأمريكي في الأسواق العالمية، ما يخلق علاقة عكسية واضحة:
عندما يكون الدولار قويًا: يصبح الذهب أغلى بالنسبة للمشترين الذين يستخدمون عملات أخرى مثل الدرهم أو اليورو، فيتراجع الطلب وينخفض السعر.
عندما يضعف الدولار: يصبح الذهب أكثر جاذبية وسهولة في الشراء، فيرتفع سعره سريعًا.
أسعار الفائدة: معادلة المستثمرين
تُعدّ أسعار الفائدة التي تحدّدها البنوك المركزية المنافس الرئيسي للذهب. فالذهب لا يدرّ فوائد ولا توزيعات أرباح.
أسعار فائدة مرتفعة: يفضّل المستثمرون الادّخار أو السندات، ما يقلّل الإقبال على الذهب ويضغط على سعره.
أسعار فائدة منخفضة: يعود الذهب ليصبح خيارًا مفضّلًا، لأنّ إمكانات ارتفاع قيمته تتفوّق على العائدات الضعيفة للادّخار التقليدي.
الجيوسياسة والأزمات: الذهب كملاذ أخير
في أوقات الاضطرابات العالمية، يؤكّد الذهب مكانته كأصل آمن. فعلى عكس الأسهم أو السندات المرتبطة بأداء شركة أو دولة، يمتلك الذهب قيمة ذاتية لا يمكن أن تفلس.
لماذا يرتفع السعر في أوقات النزاعات؟
عند اندلاع توتّرات جيوسياسية كبرى، سواء في الشرق الأوسط أو بين القوى العظمى أو داخل أوروبا، تنتشر حالة من الذعر في الأسواق المالية. فيسارع المستثمرون إلى بيع الأصول عالية المخاطر والتوجّه إلى الذهب، ما يخلق ارتفاعًا مفاجئًا، وأحيانًا حادًا، في أسعاره.
عدم الاستقرار كمحرّك للأسعار في 2026
في مطلع عام 2026، لا يزال عدم اليقين عاملًا حاسمًا. فبين إعادة تشكيل المبادلات العالمية والغموض المحيط بالسياسات النقدية الدولية، يواصل الذهب لعب دوره كدرع واقٍ. وبالنسبة للفرد، يُعدّ امتلاك الذهب تأمينًا ضد “البجعات السوداء”، أي الأحداث غير المتوقّعة التي قد تُسقط قيمة العملات الورقية بين ليلة وضحاها.
كيف يُحدَّد سعر الذهب في المغرب؟
كثيرًا ما نلاحظ فرقًا بين السعر المعروض في وسائل الإعلام وذلك المعتمد لدى الصائغ. ولِفهم سعر الذهب في المغرب، يجب التمييز بين مستويين من التسعير.
تثبيت لندن: المرجع العالمي
يُحدَّد السعر الأساسي مرّتين يوميًا في لندن (London Fixing)، وهو السعر المرجعي المعبّر عنه بالدولار للأونصة، والذي تعتمد عليه جميع الأسواق العالمية، بما فيها السوق المغربية.
تأثير سعر صرف الدرهم مقابل الدولار
هنا يصبح السعر محليًا. بما أنّ الذهب يُشترى بالدولار في السوق العالمية، فإنّ سعر الغرام في المغرب يعتمد مباشرة على قوة الدرهم أمام الدولار.
إذا ارتفع الدولار مقابل الدرهم، ارتفع سعر الذهب محليًا حتى وإن ظلّ السعر العالمي ثابتًا.
ويُضاف إلى ذلك الرسوم الجمركية، وضرائب الدمغ، وهامش ربح الصائغ الذي يشمل تكلفة الصياغة، ما يفسّر السعر النهائي المعروض في الواجهات.
الذهب: استثمار بين العقل والعاطفة
في المحصّلة، يُعدّ سعر الذهب نتيجة توازن دقيق بين قوة الدولار، وقرارات البنوك المركزية، والاحتياجات المتزايدة للصناعات التكنولوجية. وفي المغرب، يظلّ الذهب الحصن الأخير في مواجهة عدم اليقين الاقتصادي، متكيّفًا باستمرار مع تقلّبات العالم لحماية الثروة. غير أنّ الاقتصاد، رغم تفسيره لتقلّباته اليومية، لا يكفي وحده لتفسير افتتان البشر الأبدي ببريقه. ولعلّ قيمة الذهب لا تكمن فقط في الخوارزميات المالية، بل أيضًا في علم النفس البشري، ذلك المجال الذي يفسّر لماذا يدفعنا حدسنا، عند الشك، إلى البحث عن الأمان المادي والرمزي في المعدن الأصفر.
ولكي لا تفوتكم أي من هذه التقلّبات وتتمكّنوا من التخطيط لاقتناءاتكم المقبلة، تابعوا يوميًا سعر الذهب المحدَّث من طرفنا على صفحتنا المخصّصة، وابقوا على اطلاع لحظي لاتخاذ أفضل القرارات.

